02/04/2026
رسالة من المعتقل السياسي نبيل أحمجيق
أخي و صديقي العزيز ناصر الزفزافي :
أكتب إليك اليوم بعدما استنفذت الكلمات و الحوارات بيننا كل محاولات الإقناع بالعدول عن قرارك الإنسحاب من الدراسة الجامعية و عدم اجتياز الإمتحانات ، أكتب إليك لا من موقع الموعظة ، ولا من موقع من يجهل ثقل ما تحمله في صدرك من مرارة وغضب ، بل أكتب إليك من موقع من يفهم جيدا حجم الظلم الذي تشعر به ، وبقدر الألم الذي تراكم في نفسك بعد سنوات طويلة من الاعتقال والمعاناة ، لأن ذلك أصبح قدرنا نحن معتقلي حراك الريف ، غير أن ما تعيشه اليوم ليس أمرا بسيطا ، خصوصا أن الدولة لازالت تمعن في الإنتقام ، و آخر فصوله اللامبالاة و الصمت المريب ، و التعنت غير المفهوم الذي تتعاطى به النيابة العامة مع شكاياتك المتكررة ، بخصوص الأشخاص الذين كانوا يهددونك بالتصفية الجسدية ، في مشهد صادم استوجب التدخل الفوري لو كنا في فعلا في دولة حريصة على حياة مواطنيها ، لكن تبين أن المخزن حريص على حماية هؤلاء ، والا فلماذا لم يتحرك لتطبيق القانون ، و أنا أدرك ، أن هذا التجاهل المتعمد لم يزد الوضع إلا احتقانا ، وكان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعتك إلى التفكير في الإضراب عن الطعام ، باعتباره آخر وسيلة احتجاج في يدك ، غير أنني ، وأنا أتابع ما تمر به اليوم ، لا أستطيع إلا أن أشعر بقلق عميق على صحتك وحياتك ، فالانهيار العصبي الذي تعاني منه منذ مدة ، والذي يجبرك على التوجه إلى المستشفى بين الحين والآخر ، لم يكن ثمنا بسيطا ، لقد دفع جسدك بالفعل ضريبة باهظة خلال السنوات الماضية ، وربما أكثر مما يحتمله جسد إنسان واحد ، كما أو أؤكد لك أن تحذيرات الأطباء التي تلقيتها لم تكن مجرد نصائح عابرة ، فالارتعاش والدوخة اللذان يلازمانك اليوم ليسا أعراضا عادية يمكن تجاوزها بالإرادة وحدها ، بل هما إشارات واضحة بأن جسدك بلغ حدوده القصوى .. لقد حذرك الأطباء يا صديقي غير ما مرة من أن الاستمرار في خوض معارك الأمعاء الخاوية قد يقود إلى عواقب خطيرة، بل إن بعضهم لم يتردد في التنبيه إلى احتمال الإصابة بشلل لا قدر الله إذا استمر هذا المسار ، لهذا أجد نفسي مضطرا لأن أتوجه إليك بهذا النداء الإنساني الصادق ، لا تجعل الإضراب عن الطعام معركتك القادمة ، ليس لأن قضيتنا فقدت عدالتها ولا لأن غضبك غير مشروع ، بل لأن حياتك أثمن من أن توضع على حافة الموت في لحظة كهذه ، فأنت على أبواب امتحانات جامعية التي ستنطلق خلال أيام قليلة ، وكان حلمك بالجامعة واحدا من تلك المساحات القليلة التي فتحتها لنفسك داخل جدران السجن ، لذلك أرى أن التخلي عن هذا الحلم في هذا التوقيت الحساس سيكون خسارة مؤلمة ، ليس لك وحدك ، بل لكل من يرى في استمرارك في التعلم شكلا آخر من أشكال الصمود ، لهذا عليك أن تعلم يا صديقي أن العلم أيضا سلاح ، وربما يكون أحيانا سلاحا أكثر عمقا واستدامة من لحظة احتجاج قاسية قد يدفع الجسد ثمنها غاليا ، فالحفاظ على الذات في وجه المحن ليس هروبا من المعركة ، بل هو في كثير من الأحيان أرقى أشكال الانتصار ، وأنا أعرفك جيدا يا صديقي أعرف أنك حين تتخذ قراراً ، فإنك تمضي فيه بلا رجعة ، حتى لو بدا وكأن الموت نفسه يرقص فوق جسدك ، لكنني، ومعي كثيرون ممن يحرصون على حياتك ، أؤكد لك ان معركة الكرامة لا تخاض دائما بالأمعاء الخاوية ، بل أحيانا بالصبر ، وبحماية الجسد الذي يحمل تلك الكرامة ، وأمام اقتراب الامتحانات ، ربما يكون الانتصار الحقيقي اليوم هو أن تحافظ على نفسك ، وأن تجتاز امتحاناتك ، لأن المعرفة أيضا شكل من أشكال المقاومة ، ولأن الحياة نفسها هي الشرط الأول لكل نضال .