30/03/2026
طالما كانت الشعارات الرنانة والبروباغندا التسويقية واجهة لمنتجات خضعت لسلسلة إنتاج دقيقة تلبي نهم المستهلك الشغوف، غير أن هذه القاعدة لم تعد ثابتة في واقعنا الرياضي، إذ باتت الشعارات تملأ المسامع وتجتاح منصات النقاش دون رصيد واقعي يوازيها، ورغم اعترافنا بنجاحات لا تنكر وتطور ملموس في بعض الواجهات، إلا أن الصورة لدى جمهور المدرجات الحقيقي وشغوفي المنعرجات لا تزال مشوهة ومعيبة.
فكيف يستقيم أن تحصد جل الفئات السنية للمنتخب انتصارات وأمجادا ستخلد في سجلات التاريخ لا محالة، وتشيد ملاعب من طراز عالمي تضاهي ملاعب الدول الرائدة، بينما لا تزال البطولة المحلية تتخبط في عشوائية وحسابات ضيقة يحكمها الولاء للأشخاص لا للمنظومة؟ إن الضحية الكبرى هي كرة القدم والأندية التي تئن تحت وطأة الارتجالية، سواء في الأداء التحكيمي، أو في غياب تكافؤ الفرص، وصولا إلى الفشل التنظيمي الذريع.
إنه لمن التناقض الصارخ أن تنفق المليارات على تشييد المعالم الرياضية، ويسوق المسؤولون لبطولة احترافية تطمح لمصاف العالمية، ثم نصطدم بواقع تنظيمي يقمع شغف الجماهير، فبأي منطق يحرم الآلاف من مرافقة فرقهم بذريعة قانون 5% ؟ وبأي حق يجد المشجع نفسه في عقر داره مجبرا على خوض سباق المسافات الطويلة والانتظار المهين لمجرد الظفر بتذكرة دخول، ناهيك عن المعاملة غير اللائقة عند بوابات الملاعب؟
إن ما يعانيه الجمهور اليوم هو نتاج تهرب القائمين على الشأن التنظيمي من مسؤولياتهم، حيث يستسهل خيار تقليص الحضور الجماهيري هربا من بذل الجهد اللوجستي، ليصبح المشجع هو القربان الذي يذبح على مقصلة الكسل التنظيمي، في المقابل يقدم العالم نماذج ملهمة في احترام الأنصار، من الدوريات إلى ليالي التشامبيونز ليغ التي تضج بالحياة في الشوارع قبل المدرجات، إلى ملاعب البومبونيرا والمونومنتال والماراكانا.. حيث ابتكرو استراتيجيات جعلت من الحشود المتنفس الأول للمنظومة وليست عبئها.
نحن اليوم أمام معضلة تتطلب جراحة عاجلة، فأبناء هذا الوطن الذين يشدون الرحال خلف أنديتهم كل أسبوع هم الأولى بالمعاملة الكريمة والتنظيم المحكم.
إن جودة بطولتنا لا تقاس بروعة العشب والمدرجات الصماء، بل بصون كرامة جمهورها، لأن هذه العشوائية تخدش صورة الوطن قبل أن تسيء لصورة بطولته التي تصر ن على تسميتها "احترافية".