01/09/2026
هذه الصورة جميلة ومؤلمة في الوقت نفسه، فيها قرب الأختين، وفيها لحظة عادية لم يكن أحد يتخيل أنها ستصبح يوماً ذكرى لا تعوّض ..
لم أكن أعلم، وأنا أنظر إلى هذه الصورة، أنني سأعود إليها يوماً بخاطر مكسور، وقلب مهموم، أبحث فيها عن أخت رحلت، وعن ضحكة لن تتكرر، وعن لحظة عابرة أصبحت اليوم أغلى من كل شي ..
هذه خالتي لطيفة إلى جانب أمي، أختها ورفيقة عمرها، تقاسمتا معاً سنوات طويلة من الحياة، أفراحها وأحزانها، تفاصيلها الصغيرة، وأسراراً لا يعرفها إلا قلب أخت عاشت مع أختها العمر كله ..
ها هي أمي اليوم تبكي أختها، تبكي جزءاً من عمرها، تبكي وجهاً ألفته منذ الطفولة، وصوتاً اعتادت أن تسمعه، وتفاصيل عمر دام ثمانين عاما صنعتها معها يوماً بعد يوم، تبكي إنسانة كانت حين تجلس إلى جانبها لا تحتاج إلى كثير من الكلام، يكفي أن تكون هنا ..
أماه، أعلم أن الفراق مرّ، وفراق أختك نزل وانغرس كالسيف وسط صدرك، وأعلم أن هناك وجعاً في داخلك لا تستطيع الكلمات أن تصفه، ولا تستطيع الدموع ان تنسيه، وأنك اذا نظرت إلى هذه الصورة ستبحثين بعينيكِ عن لطيفة، لطيفة التي لن تعود ابداً، وأعلم انك ستشتاقين إليها في التفاصيل الصغيرة، في الهاتف حين ترغبين في سماع صوتها، في المناسبات حين تبحثين عن مكانها، في جلسات العائلة حين تفتقدين حديثها، وفي كل مرة تقولين فيها أين لطيفة؟، ثم يصمت القلب لأن الجواب موجع ..
أماه، تماسكي يا أمي، فلطيفة وإن غابت عن عيوننا، لن تغيب عن قلوبنا ..
لطيفة، اخت امي، أيتها البهية الدافئة، يا قمراً كان يطل علينا بأبهى حلّة، يا لطيفة الروح، يا وديعة القلب، يا وجه المحبة الهادئة، يا زهرة من زمن جميل، يا مثال الصبر والوفاء والصفاء والنقاء، يا من كان اسمك لطافة، وروحك لطافة، وحديثك لطافة، وحضورك لطافة، يا من مررت في حياتنا بخفة النسيم، وتركت عقولنا تائهة و قلوبنا منكسرة، وحضورنا في غيابك بلا طعم ولا لون، يا ضحكة كانت تضيء الجلسات، ويا صوتاً كان يبعث في القلب الأنس، يا رفيقة العمر الجميل، يا أختاً كانت لأختها سنداً ودفئاً وذاكرةً لا تموت، يا من كنتِ إذا حضرتِ حضر معك الود، وإذا تكلمت أنصت القلب، يا غيمة من حنان مرّت فوق أعمارنا، ثم مضت إلى رحمة الله، يا شمعة أضاءت عتمة الأيام، ثم انطفأت وبقي نورها في قلوبنا، يا من كان وجودك عادياً بأعيينا الى ان جاء رحيلك فعرفنا كم كنت استثنائية، وعرفنا ان تلك اللحظات اصبحت مجرد ذكريات ..
لطيفة، وانا اكتب هذه الأحرف، احلق في السماء، تائه بين السحاب، اراقب وأراقب من نافذة الطائرة لعلي اصادف روحك الطاهرة في طريقها الى السماء، لعلي احظى بنظرة، بإبتسامة، بإشارة منك، ولو كانت اخيرة، واسابق الزمن لعلي اصل الى بيتك، واجلس مكانك، اشم رائحتك، اتلمس أشياءك البسيطة ..
رحلت يا لطيفة، وبقي اسمك كما كنت أنت، لطيفاً على اللسان، دافئاً في القلب، مؤلماً في الغياب ..
رحم الله خالتي لطيفة، وجبر قلب أمي، وجعل لقاءهما القادم في الجنة، حيث لا فراق ولا وداع ..