18/02/2025
حين تسكن الروح بين الجدران العتيقة... حكاية بيت وزمن
هناك، عند قمة التلة، يقف الزمن ساكنًا، متشبثًا بأطلال بيتٍ شهد همسات الماضي وصيحات النضال. بيتٌ طيني قديم، يحتضنه الزمن كما تحتضنه الطبيعة، قابعٌ بين أحضان أشجار عتيقة، جذورها ضاربة في الأرض كأنها أوتادٌ تحرس المكان، وأغصانها تمتد إلى السماء كأيدٍ ترفع دعاء الأجداد وصبرهم إلى العلا. سقفه المغطى بالبلاط المهترئ يروي بصمتٍ قصص من عاشوا تحته، من حملوا أثقال الأيام وأحلام التحرير.
بين جدرانه المتآكلة، تتردد أصداء أقدام الأجداد، خطواتهم التي لم يمحُها الزمن، وأصواتهم التي لا تزال تهمس في أذنيّ، وكأنها تتحدى النسيان. أتخيلهم تحت ظلال تلك الأشجار الشاهدة على كل شيء… اليوم، لم يبقَ سوى الأطلال، لكنها ليست مجرد حجارة صامتة، بل ذاكرةٌ حيّة، تروي للأرض سرَّ من قاوموا، ومن حلموا، ومن رحلوا، لكنهم بقوا خالدين بين جذور الأشجار، في أنفاس الريح، وفي أعماق قلوبنا.
حين كنت طفلًا، كنت أرافق جدي إلى هذا البيت. لم تكن هناك طرقٌ ممهدة، فقط مسالك جبلية وعرة تتعرج بين الأشجار والصخور. لكن رغم صعوبة المسير، كنت أشعر بفرحةٍ غامرة، لأنني كنت أعلم أن عند نهاية الدرب ينتظرني عالمٌ آخر، عالمٌ يحمل رائحة الأرض الندية، وصوت الريح الذي يمر بين أغصان الأشجار العتيقة، وضوء الشمس الذي يتسلل بخجلٍ بين أغصانها الكثيفة، يرسم لوحاتٍ من الظل والنور على الأرض.
أتذكر الليالي التي كنا نقضيها هناك، بلا إنارة، فقط ضوء القمر حين يكون بدرًا، يفيض نوره على التلال والوديان، والنجوم التي كانت تلمع بقوة، وكأنها تتحدث إلينا بلغةٍ لم أفهمها يومًا، لكنها كانت تسحرني. أتذكر كيف كنت أستيقظ مع خيوط الفجر الأولى على صوت الديوك، وعبق القهوة الذي يختلط بدخان الموقد، وكسرة الخبز التي كانت تُطهى على الجمر، تفوح منها رائحةٌ لا تزال تسكن روحي حتى اليوم.
هنا، في هذا المكان، حيث كانت الحقول تمتد فوق التلال والسفوح، كان الأجداد يعملون تحت الشمس الحارقة وفي ظلال الأشجار الوارفة، بأيدٍ خشنةٍ صقلتها الحياة وقسَتْها الأيام، لكنها لم تفقد دفءَ العطاء. كانوا يعرفون الأرض كما تعرفهم، يهمسون لها فتُزهر، ويشقون تربتها فتمنحهم قوتهم بكرمٍ لا ينضب.
أتذكر جيدًا أصواتهم، وخصوصًا تلك النداءات والصيحات التي كانت تتردد من قمة جبلٍ إلى أخرى، كأنها لغةٌ سريةٌ لا يفهمها إلا من عاشها، كأنها أغاني الأرض التي لا يسمعها سوى من التصق بها قلبًا وروحًا. كان لكل صيحةٍ معنى، لكل نداءٍ إشارة، كأن الجبال نفسها كانت تستمع إليهم وتجيب. اليوم، صمتت الحقول، وغابت الأصوات، ولم يبقَ سوى الريح تحمل في طياتها أصداء الماضي، أصداء من كانوا هنا، من مشوا على هذه الدروب الوعرة، ومن زرعوا الأرض بعرقهم وأحلامهم.
لم تعد هذه الأطلال مجرد حجارةٍ مهجورة، بل ذاكرةٌ محفورة في قلبي، نقشٌ عميقٌ في روحي، حكايةُ أناسٍ رحلوا عن هذه الدنيا، لكن أرواحهم لا تزال تحلق حولنا، تحرس المكان وتحفظه من النسيان. أشعر بوجودهم مع كل نسمة هواءٍ تهب، مع كل ورقة شجرٍ ترتعش، وكأنهم لم يغادروا أبدًا.
هذا ليس مجرد بيت، إنه رمز، شاهدٌ على حياةٍ مضت لكنها لم تمت، على نضالٍ انتهى لكنه لم يُنسَ، على قلوبٍ خفقت بحب الأرض حتى آخر نبضة. هنا، حيث تربعت أغبالة واحتضن وادي زقار ذكرياتنا، يبقى بيت الأجداد قلعةً من قلاع الذاكرة، وحصنًا من حصون الحنين.
وأحيانًا، يراودني حلمٌ صغير، أن أعود إلى هذا البيت، أن أعيش فيه ولو زمنًا قصيرًا، أستعيد دفء الذكريات التي تسكن جدرانه، أتنفس هواءه النقي، وأصغي لأصداء الماضي كما لو أن الزمن قد عاد بي إلى تلك الأيام. كم أتمنى أن أشعر بما شعر به من سبقوني، أن أمشي على خطاهم، أن أعايش أحلامهم ولو للحظة، لعل الأرض تهمس لي بسرّها، ولعل الليل يعيد إليَّ همسات من كانوا هنا، فأصبح جزءًا من هذا الزمن الذي أحببته دون أن أعيشه.
سأعيد إشعال الموقد، وسأدع الليل يعيد لي تلك الحكايات، وأحلم كما حلموا، وأحيا كما عاشوا، ولو للحظة واحدة.