03/08/2026
الوطن يحتاج إلى أن نصلحه ونبنيه، لا أن نهرب منه،
ما وقع في سبتة المحتلة مؤلم، لكنه يجب أن يدفعنا إلى مواجهة الحقيقة بدل الاكتفاء بالعاطفة.
سيقول البعض إن السبب هو الأوضاع الاقتصادية وقلة فرص الشغل.
أتفق ولا أتفق.
أتفق عندما أرى شاباً تجاوز الثلاثين، يعيل أسرة أو يتحمل مسؤوليات، وقد استنفد كل محاولاته في البحث عن عمل وحياة كريمة. نعم، لا يمكن إنكار أن هناك تقصيراً في تدبير الشأن العام، وأن الدولة مطالبة بخلق فرص أكثر وتحسين ظروف العيش.
لكنني لا أتفق عندما أرى أطفالاً وقاصرين، بل وحتى آباء يحملون أطفالهم الرضع ويغامرون بهم في البحر.
هنا لم يعد الأمر بحثاً عن لقمة العيش، بل أصبح تهوراً وجنوناً. فمكان الطفل الطبيعي هو المدرسة، وبين أحضان أسرته، لا بين الأمواج ولا على الحدود.
في نظري، السبب الحقيقي وراء اندفاع عدد كبير من القاصرين ليس الفقر وحده، بل أيضاً العاطفة الزائدة والفضول، والصورة الوردية التي رُسمت في أذهانهم عن الهجرة.
يرى الطفل أو المراهق عائلات مغربية مقيمة بالخارج تعود في الصيف بسيارات جديدة، وملابس أنيقة، ومظاهر احتفالية، فيعتقد أن مجرد مغادرة المغرب تعني الوصول إلى الجنة، وأن المال والفرص تنتظره بمجرد عبور البحر.
لكنه لا يرى الحقيقة.
لا يرى الشاب المغربي الذي يعمل ليل نهار، ويقضي ساعات طويلة في العمل، ويؤدي الضرائب والإيجار والفواتير، ويعيش تحت ضغط دائم حتى يستطيع أن يأتي في الصيف ببعض المال أو بسيارة اشتراها بعد سنوات من التعب.
يرى السيارة ولا يرى سنوات الكفاح.
يرى العطلة ولا يرى أشهر العمل المتواصل.
يرى المظاهر ولا يرى الثمن الذي دُفع للوصول إليها.
صحيح أن أوروبا فيها فرص، لكن الفرص لا تُمنح لمجرد أنك عبرت الحدود، بل تحتاج إلى علم، وصبر، واجتهاد، واحترام للقانون.
أما اليوم، فقد تغيرت الأمور كثيراً. فالهجرة لم تعد كما كانت قبل سنوات. كثير ممن هاجروا يعيشون أوضاعاً صعبة، وبعضهم يعيش في خوف دائم بسبب وضعيته القانونية، وآخرون يتمنون لو استطاعوا زيارة أهلهم دون أن يخسروا ما بنوه.
وفي المقابل، لدينا في المغرب شباب بدأوا من الصفر، تعلموا حرفة، أو أسسوا مشروعاً بسيطاً، وخلقوا لأنفسهم فرصاً لم تكن موجودة، حتى أصبح بعضهم من الناجحين.
هذا لا يعني أن الدولة معفاة من مسؤوليتها، بل على العكس، هي مطالبة بتحسين التعليم، وتشجيع الاستثمار، وخلق فرص الشغل، ومحاربة الفساد وسوء التسيير.
لكن في المقابل، لا يجوز أن نربي أبناءنا على أن النجاح يوجد فقط خلف البحر، وأن الوطن لا يقدم شيئاً.
المغرب ليس جنة، نعم لكنه ليس جحيماً أيضاً.
ما ينقصنا هو حسن التسيير، وتكافؤ الفرص، والعمل، لا تحويل البحر إلى مقبرة لأحلام شبابنا.
ولا يوجد حلم، مهما كان جميلاً، يستحق أن نعرض من أجله حياة طفل أو رضيع للخطر.