24/08/2026
حصر السلاح بيد الدولة .. نحو دولة قوية أم نحو الفوضى؟
يحتدم النقاش في الفترة الحالية داخل الأوساط العراقية حول شرعية سلاح الفصائل وحول حدود سلطتها وقراراتها ، ووجب خضوعه لسلطة القانون فقط وهو مبدأ لا يختلف معه الكثير لكن أعقد مافي الملف هو طريقة معالجته بدقة وهو ما سنتطرق له في هذه الأسطر المختصرة.
فلا بد أن نعلم في بادئ الأمر أن القوة العسكرية هي حكر لمؤسسات الدولة الغير فاقدة للشرعية وهي المسؤول الوحيد عن استخدام قوة الإكراه العسكري والأمني بما لا يخالف القانون والنظام السياسي. إن عدم خضوع كامل الإقليم لسلطة الدولة يجعل الدولة حينها ناقصة السيادة، فالسيادة ليست بعد داخلي فقط بل خارجي أيضاً، فضعف أدوات الحكومة السيادية والدبلوماسية تجاه الدول والجماعات المهددة لأمن الدولة هو مبرر لوجود هذا السلاح.
أما حجج شرعية الحكومة وضعفها فهي مردودة على الفصائل نفسها التي تشترك معظم قياداتها في تشكيل هذه الحكومة وسبقاتها وهي أحد أسباب فشل النهوض بواقع الدولة نحو الأفضل. أما الأمر الآخر فهو ضرورة التمييز بين الحشد الشعبي كمؤسسة رسمية وبين الفصائل الرافضة لقرارات الدولة رغم أن هذه الفصائل تتفاعل وتتداخل مع مؤسسة الحشد الشعبي بشكل متشعب.
فوجود التنظيم القانوني والمؤسسي يسمح للقانون بمعالجة الانحرافات وتقويمها ، على عكس الجماعات العشوائية التي تتعمد الحالة الضبابية أي بين الرسمية واللارسمية. لذا فإن إعادة هيكلة الحشد الشعبي وليس حلّه هو الخيار الواقعي عن طريق تحييد بعض الأطراف التي تصادر إنتماءه الوطني وضبط علاقاتهم بالأطراف السياسية ، ومنع ازدواج المناصب وتفكيك الشبكات الإقتصادية المتداخلة بين الأحزاب والفصائل.
وفيما يخص عوامل نجاح مشروع حصر السلاح فهي كالتالي :
- ينبغي أن يتزامن حصر السلاح مع الإصلاح المؤسسي ومحاربة الفساد فقطع الشرايين الإقتصادية والمناصب التي تشتري الزبائنية والولاء ونفوذها داخل الدولة هو أولى المراحل.
ـ كما أن يكون حصر السلاح شاملاً ولا يقتصر على جهة دون أخرى لأنه سيكون حينها مجرد إعادة توزيع لمناطق القوة والنفوذ وهذا مجرد تأجيل للمشكلة وليس حلها.
ـ لايمكن أن تتم العملية بوقت قصير بل تحتاج لوقت طويل لكونها عملية معالجة دقيقة ، وعملية تبلور وتفاعل اجتماعي وسياسي للوصول للنتيجة المتوازنة.
ـ من الخطأ أن يكون التحرك لفرض القانون نتيجة ضغط إقليمي أو أمريكي أو ماشابه ، فهذه التحركات تكون غير نابعة من المصلحة الوطنية ذاتها ، وهي محل شك لكونها مجرد صراعات تكتيكية لإعادة رسم خرائط القوة في المنطقة لصالح قوة معينة.
ـ إبعاد الوزارات السيادية كالدفاع والداخلية والخارجية وأجهزة الأمن عن المحاصصة فتكون هذه المؤسسات بعيدة عن توجهات حزبية ضيقة و طرح تعديلات شاملة وإعادة تسليح وتدريب يضمن وجود قوة حقيقية قادرة على حماية الدولة ومصالحها بعيداً عن مصلحة أي طرف.
ـ تحقيق التوازن الدقيق الذي تفرضه الجغرافيا السياسية على العراق وبناء علاقات متوازنة بين جميع الأطراف وعدم التردد في إستخدام القوة الدبلوماسية أو العسكرية تجاه كل من يتعدى على سيادة البلد خارجياً.
وفي الخلاصة، فإن فرض القانون لابد أن يعود بالمنفعة الحقيقية على أبناء البلد وحصر السلاح هو ليس عملية أمنية فقط بل هو إصلاح مؤسسي وإعادة تفاوض شاملة حول من يملك الشرعية أو إتخاذ القرار الوطني ولهذا يعتبر من أعقد الملفات وأكثرها حساسية. لا لأنه صعب نظرياً بل لأنه يتداخل ويتقاطع مع أفكار وعقائد مجتمعات فرعية متعددة كما أنه يتقاطع مع كل البنية الأساسية للدولة. فالإنجاز الحقيقي هو حل هذا الملف بدون اضطرابات اجتماعية وبدون إثارة حساسية أبناء المجتمع تجاه بعضهم البعض أو إعطاء الفرصة للعدو أن يعبث بأمن البلاد.