17/11/2025
قيمة الإنسان في حقيقته
الأحد 16 نوفمبر 2025م
بقلم:عاصم موسي (سوداني)
في زمن اختلطت فيه الحقيقة بالكذب و النفاق، وتساوت فيه أقدار البشر مع رصاصةٍ طائشة، يصبح الحديث عن الحياد موقفًا شجاعاً، بل أحيانًا درساً أخلاقياً في عالم السياسة لأن الناس فقدوا القدرة على التمييز بين الأشياء ، بل لأن الحرب العبثية التي نعيشها سلبت من الكثيرون عقولهم و ظلو ما بين الصح و الخطأ و في كل الاحوال هم ضحايا لبنية تفكير نصف ناضج مخلوط بزيف الشعار الوطني لطمس ما تبقي من لبنة الأفكار الإنسانية في أدمغتهم، يبقى السؤال الأخلاقي والسياسي هي هل نحن غير قادرين لحل مشكلتنا كشعب سوداني بمختلف مدارسنا الفكرية دون الرجوع لقوة السلاح؟ أم أن السلاح هي إرتهان لتكسب بثوب النضال و التغير أو كرامة و وطنية ؟ بالتأكيد بنية وعينا محصور ما بين مصطلحات لا تتعدى فترتها الخمسة أو ثلاثة سنوات (جنجويد+ فلنقاي) أو مصطلحات ابستملوجية العصر السوداني (بل بس+جغم بس) ؛ فالشجاعة و الفكر الناضج بأن تضغط على كل جروحك الخاصة لتداوى جروح وطنك و تحقن دماء شعبك في زمن اصبح فيها لغة الحوار و النقاش أقل جلساتها بتبدأ ب مدفع 23 او راجمة 106؛ و صراخ طفل لا يملك سوا رصاصةٌ في جسده و جسد والده/ها ملقاة أمامه ،إن الحياد في زمن حرب الرابح فيها خاسر و حين تتحول حياة المدنيين إلى رماد، يصبح الحياد شجاعة ويصبح الوقوف في المنتصف كمن يتقدم و هو عاري الصدر أمام المدافع لينقذ طفلاً خائفاً صارخاً بين قذيفة صاروخ عابر و بين كروزار يتفحت في ميدان المعركة،الحرب العبثية ليست معركة قيم، ولا صراع مبادئ بل صراع نفوذ تُساق فيه أرواح الناس كوقود، وتُحرق فيه آمال جيل كامل من دون مبرر أو معنى حربٌ بلا بوصلة، بلا مشروع، بلا مستقبل وما دام أصلها العبث، فإن أي حيادٍ تجاهها يُعتبر شجاعة و دراسة ناضجة لأن المدني هو الهدف الأول فيها وأن الوطن هو الخاسر الأكبر ، و ما النضال و الشرف إلا من أجل المواطن و الوطن.
في خضم الفوضى، يأتي الصوت الثوري ليقول لسنا منحازون لطرف لنكون جزء من قتل الشعب بفوهة بندقيته و لسنا منحازون لطرف لأننا خائفون على ارواح شعبنا و نخشى عن ندمر ونخرب الوطن، والوقوف ضد الحرب لا يعني الانحياز لطرفٍ مسلح كما يظن الأخرون، بل الانحياز للإنسان، للكرامة، للعدالة و للثورة، و الثورة ليست سلاحًا ولا شعارًا فقط، بل موقفًا أخلاقيًا في مواجهة العبث و السلاح فيها وسيلة مقيدة بقانون و مبادئ الثورة السودانية الحقيقية.
نحن لا نختار الحرب، لكننا نختار ألا نكون جزءًا من ضلالها نختار أن نرفع صوتنا في وجه الجنون، أن نرفض تحويل السودان إلى ساحة تصفية حسابات أو ميدان تجارب منتوجات حربية عالمية ترتهن فيها ضعاف الأخلاق لا لشيء سوا تبادل المنفعة بينهم و بين كبار الإمبريالين و حاقدى القارة الإفريقية وشعوبها ،وأن نقول بوضوح لا للحرب في وجه من قالو نعم ولا صمت أمام المأساة، نحن مع شعبنا و علينا أن نمضى فيما نختاره مع شعبنا و بالتأكيد خيار الشعب مع السلام و ليس الحرب فالبندقية يجب أن تُحمل عند الضرورة لصنع السلام و ليس صنع الحرب و في سبيل ذلك إن تُقتل أو تَقتل يعتبر شجاعة و شرف لان النتيجة هي التضحية بالروح الفردي مقابل المحافظة على أرواح شعب بأكملة وهي وسام الشرف الثوري النضالي،
و في النهاية قد لا يوقف المقالُ رصاصةً، لكنه قادر على إيقاظ ضمير من لهم منه ذرة ، وفتح نافذة ضوء في هذا الليل الطويل وقد تكون الكلمات حين تخذلنا البنادق آخر ما يحفظ ما تبقى من إنسانيتنا و سودانيتنا.
محبة و سلام لشعبي المضطهد في أرضه و الرحمة و المغفرة لمن فقدناهم في الحرب العبثي الجاري.