16/04/2026
الحرب والإنسان :
تمثّل هذه الصورة مشهدًا مكثّفًا للألم الإنساني في لحظةٍ تتقاطع فيها السلطة العارية مع ضعف الضحية. إنها صورة تختزن في تفاصيلها تراجيديا أمٍّ تقف على حافة الموت، وفي عينيها ما يشبه الوداع الأخير.
التُقطت هذه الصورة عام 1972، في خضمّ الحرب الفيتنامية، حين كانت المدن والقرى مسرحًا لاجتياحاتٍ عسكرية وعمليات تمشيطٍ قاسية بذريعة ملاحقة عناصر المقاومة الفيتنامية.
في تلك الفوضى التي لا تميّز بين مقاتلٍ ومدني، سقط كثيرٌ من الأبرياء ضحايا لآلة الحرب التي لا ترى في المكان سوى هدفٍ، ولا في الإنسان سوى شبهة.
وخلال اقتحام إحدى المدن، وبين البيوت التي كانت تُفتَّش بعنفٍ وارتياب، وقعت في أيدي الجنود امرأةٌ تُدعى “نجوين ثي نهو”، زوجةُ شخصيةٍ سياسيةٍ معارضة. لم تكن تحمل سلاحًا، ولم تكن في ساحة قتال، فقد كانت أمًّا تحتضن طفلتها الرضيعة. غير أن الحروب لا تعترف ببراءة الأمومة ولا بحرمة البيوت.
طُلب منها أن تُدلي بمعلوماتٍ عن زوجها، ووُعدت – كما تروي القصة – بالأمان والحياة الرغيدة إن هي تعاونت. وعندما رفضت، بدأت فصول القسوة: استجوابٌ، وضغطٌ نفسيّ، وتعذيبٌ جسديّ، في محاولةٍ لكسر إرادتها. ومع ذلك تمسّكت بصمتها، وكأنها أدركت أن بعض الكلمات قد تُنقذ الجسد، لكنها تقتل الكرامة.
وحين تقرّر مصيرها، لم تطلب مالًا ولا نجاةً لنفسها، لكنها طلبت أن تُرضع طفلتها للمرة الأخيرة؛ لحظةَ أمومةٍ خالصةٍ في مواجهة الموت. جلست تحتضن رضيعتها ذات الأشهر التسعة، تُشبعها حنانًا أخيرًا قبل أن تُنتزع منها إلى الأبد. وكانت الطفلة، الغافلة عن المأساة، تنام مطمئنةً بين ذراعي أمها، لا تدرك أن تلك اللحظات هي آخر ما سيجمعهما.
بعدها بلحظات، أُطلقت النار، فسقطت الأم أمام عيني طفلتها، التي لم تفهم لماذا لم تعد اليد التي كانت تهدهدها تتحرّك.
هذه الصورة – إن صحّت روايتها بكل تفاصيلها – شهادةٌ على قسوة الحروب حين تتحول إلى صراعٍ بلا رحمة، وعلى ازدواجية الخطاب السياسي الذي يرفع شعارات الحرية وهو يغرق في دم الأبرياء. فالتاريخ الحديث مليءٌ بأمثلةٍ لدولٍ كبرى تدخّلت عسكريًا تحت عناوين براقة: حماية، تحرير، نشر قيم… ثم خلّفت وراءها مدنًا مهدّمة وأجيالًا مثقلةً بالفقد.
من فيتنام إلى العراق، ومن حكايات السكان الأصليين في القارة الأمريكية إلى صراعات الشرق الأوسط، يتكرّر المشهد ذاته: قوةٌ عظمى تكتب روايتها الرسمية، وضحايا يكتبون حكايتهم بالدموع والدم.
الصورة، إذن، سؤالٌ أخلاقيٌّ مفتوح: ماذا يحدث للإنسان حين تُبرّر السياسة كلَّ شيء؟ ومتى يصبح “التحرير” اسمًا آخر للخراب؟
إنها تذكيرٌ موجعٌ بأن أكثر ما يُهزم في الحروب ليس الجيوش، بل الأمهات، والأطفال، والبيوت التي كانت تحلم بيومٍ عاديٍّ لا أكثر.