02/06/2026
شباب وجدة بهوايات جديدة....الإقبال على الموت بصدور عارية
لم تعد شوارع مدينة وجدة مجرد فضاءات لعبور السيارات والمارة، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مسرح مفتوح لمشاهد خطيرة ومؤلمة، أبطالها شباب في مقتبل العمر يتباهون بالسرعة الجنونية فوق الدراجات النارية، غير عابئين بقانون السير، ولا بالإشارات الضوئية، ولا بحرمة الأرواح التي تزهق كل يوم بسبب التهور والاستهتار.
في أحياء عديدة وشوارع معروفة بالمدينة، أصبح من المألوف مشاهدة دراجات نارية تنطلق بسرعة مرعبة، أصوات محركاتها تخترق سكون الليل، وشباب يقودون وكأنهم في سباقات عالمية، يتجاوزون السيارات، يقطعون الإشارات الحمراء، ويعرضون حياتهم وحياة الآخرين لخطر حقيقي. الأخطر من ذلك أن بعض هذه السلوكيات تتم أحياناً تحت تأثير المخدرات أو المؤثرات العقلية، ما يجعل الكارثة أقرب من أي وقت مضى.
هذه الظاهرة لم تعد مجرد مخالفات معزولة، بل أصبحت أزمة مجتمعية حقيقية تكشف عن خلل عميق في منظومة التربية والتأطير والقيم. والسؤال المؤلم الذي يفرض نفسه: كيف وصل بعض شباب المدينة إلى درجة التباهي بالاقبال على الموت؟ وكيف أصبحت المغامرة الخطيرة نوعاً من “البطولة” الزائفة في نظر البعض؟
إن المسؤولية هنا جماعية، تبدأ من الأسرة التي يفترض أن تكون الحصن الأول للتربية والتوجيه. فغياب الحوار داخل البيت، وضعف المراقبة، وترك الأبناء فريسة للشارع ولوسائل التواصل الاجتماعي، كلها عوامل ساهمت في تفاقم الظاهرة. كما أن المدرسة، التي يفترض أن تبني الوعي والسلوك المدني، لم تعد قادرة لوحدها على مواجهة هذا الانفلات القيمي والنفسي الذي يعيشه جزء من الشباب.
ثم يأتي دور المجتمع، الذي أصبح في كثير من الأحيان متفرجاً صامتاً أمام هذه المشاهد اليومية، وكأن الأرواح التي تُزهق لا تعنيه. فالتطبيع مع الفوضى أخطر من الفوضى نفسها، لأن الصمت الطويل يحول السلوك المنحرف إلى أمر عادي.
أما الجانب الديني والتوعوي، فهو الآخر يطرح أكثر من علامة استفهام. فمدينة وجدة تزخر بالفقهاء والخطباء والدعاة، غير أن حضورهم في معالجة هذه القضايا الاجتماعية والسلوكية يظل محدوداً في نظر الكثيرين. فالشباب اليوم لا يحتاج فقط إلى الحديث عن تفاصيل العبادات، بل يحتاج أيضاً إلى خطاب قريب من واقعه، يلامس معاناته النفسية، ويحدثه عن قيمة الحياة، وعن حرمة تعريض النفس والناس للهلاك، وعن خطورة المخدرات، وعن معنى المسؤولية والرجولة الحقيقية.
إن منابر المساجد مطالبة اليوم بأن تكون أكثر التصاقاً بقضايا المجتمع، وأكثر جرأة في مناقشة الظواهر التي تهدد حياة الشباب ومستقبلهم. فالكلمة الصادقة قد تنقذ روحاً، والخطاب الواعي قد يغير سلوكاً، والتوجيه المستمر قد يوقظ ضميراً غافلاً.
ولا يمكن أيضاً إغفال دور السلطات الأمنية التي تبذل جهوداً واضحة في محاربة مظاهر الفوضى المرورية، من خلال حملات المراقبة وحجز الدراجات المخالفة، غير أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي. فالمشكل أعمق من مجرد مخالفة قانونية؛ إنه مرتبط بأزمة وعي، وبفراغ نفسي وروحي، وبإحساس داخلي بالضياع والضغط وعدم الاستقرار.
فالكثير من الشباب يعيش اليوم تحت ضغط اجتماعي ونفسي كبير من بطالة و فراغ و غياب فضاءات الترفيه والتأطير، تأثير مواقع التواصل، تقليد أعمى لثقافة التهور والاستعراض، وضعف الإحساس بالمستقبل. كل ذلك يخلق جيلاً سريع الغضب، سريع الانفعال، لا ينصت للنصيحة، ويبحث عن إثبات ذاته بطرق خطيرة ومدمرة.
إن إنقاذ شباب وجدة من هذا المنحدر لا يحتاج فقط إلى قوانين صارمة، بل يحتاج إلى مشروع مجتمعي متكامل، أسرة حاضرة، مدرسة مؤثرة، إعلام مسؤول، مسجد واع، جمعيات فاعلة، وفضاءات تحتضن طاقات الشباب بدل تركها تنفجر في الشوارع.
فالسرعة لا تصنع الرجولة، والتهور ليس شجاعة، ومن يتباهى بالاقتراب من الموت قد لا يدرك أنه يترك وراءه أماً مكلومة، وأسرة مدمرة، ومستقبلاً ينطفئ في لحظة.
لقد آن الأوان لكي يدق الجميع ناقوس الخطر، قبل أن تتحول شوارع المدينة إلى مقابر مفتوحة، وقبل أن نخسر مزيداً من شباب كان يمكن أن يكون طاقة بناء لا وقوداً للمآسي.
¤ حفيظ بولحوال