كان وجهها مضيئاً كالقمر في ليلة بدره، وكان وجهها المضيء ترتسمه قسمات حزن ممزوج بألم مكتوم، وكانت رغمه تبتسم لنا، تحاول أن تخبيء أحزانها عن عيوننا، تحاول أن تداري آلامها عن قلوبنا، تحاول أن تبث في نفوسنا الأمل وترفع عن صدورنا الحزن، ولكن ... هيهات هيهات، فقد كشفتها دمعة صغيرة فرت من عينيها دوناً عنها، ولم تستطع أن تخبئها أو تداريها عن عيوننا التي ترقبها في صمت مهيب... وبسرعة حاولت أن تمسح آثار دمعت
ها الشقية… تعاود الابتسام لنا، ترسل نظرة حب تطمئن بها قلوبنا ... إنها بخير... إنها متماسكة... إنها مؤمنة وصابرة وراضية... ليت من أبكوها يسمعون أنينها الصامت ودعائها الخاشع، ليتهم يفهمون الحقائق كما هي، ويكفون أيديهم عن الوقوع في دوائر الظالمين، ويسترون أنفسهم بدروع محصنة كي لا تصيبهم دعواتها ودعوات كل المظلومين والمقهورين... ليتهم وليتهم وليتهم ... يكفكفون الدمع عن وجه القمر...
أشارت زوجتي إلى منظر القمر البديع وقالت: انظر إلى هذه اللوحة الرائعة ... إنها لوحة تأخذ القلوب بجمالها، ولكن يا حسرتاه ... إنها لوحة حزينة كقلوبنا السجينة... نظرت إلى القمر في روعته وجماله، وأخذتني أنواره بدهشة الانبهار، ولكني لاحظت - كزوجتي - حزن الانكسار، وألم قاسي قضب جبين القمر، قلت لها نعم إنه حزين، قالت بل وباك ... ألا ترى الدموع على خده؟ ... أعدت النظر من جديد، وتأملت وغبت في صمت طويل...
على صفحة النيل الجميل تأسرك لوحة الغروب... لوحة رائعة الجمال والدلال، لا تراها إلا على شواطىء نيلنا الباكي الحزين ...إنها دمعات حرقة وألم ممزوجة باحمرار الاحتقان، تنساب من شمسنا في غروبها اليومي داخل صفحة النيل الصابر المتألم والغاضب المتأزم، ليمتزج ألم شمسنا بألم نيلنا، فيصرخ القمر لحظة خروجه من شدة الألم، فيبكي حالنا وحاله دموعاً لا تراها إلا في عيوننا ... نيلنا يبكي ... وأرضنا تبكي ... وشمسنا تبكي ... وقمرنا يبكي ... حتى أشجارنا صارت تبكي ... دموعنا جميعاً قد تجمعت ... على خد القمر ...
أنا مثلك يا حبيبتي يعتصرني الألم، تخنقني الدموع، يعتريني الوهن ... أنا مثلك يا حبيبتي قد فقدت الأمل في كل البشر ... وصلنا يا حبيبتي لنهاية المطاف وآخر شوط من أشواط دربنا الطويل ... لا مجال، لا طريق، لا سبيل إلا برحمة من الله وحده، انتهت كل الأهازيج يا حبيبتي، وانكشفت كل الأقنعة يا حبيبتي، ونفدت كل الحيل وانقطعت كل حبال الرجاء ... يا حبيبتي صدقيني؛ ليس لها من دون الله كاشفة، يا حبيبتي صدقيني؛ الله وحده هو الأمل الباقي لنا وفينا، هو الأمل الوحيد في كشف غماتنا وذهاب أحزاننا وتضميد جراحاتنا، هو الأمل الوحيد في تغيير أحوالنا وإصلاح ما بنا وإيقاف كل الدموع المذرفة على وجوهنا ووجه قمرنا وصفحة نيلنا وقرص شمسنا وكل أرضنا ... هو الأمل في بعث جديد و جيل جديد و أمل جديد أراه بعيداً من بين الغيوم الملبدة، خلف جدران الحياة، من وسط الستائر المحرقة، وأكوام التخاذل والانهيار، سيأتي حتماً في يوم ما، وساعة ما، ولحظة ما، قدرها العليم الخبير وأخفاها عنا كي نظل دائماً نلهج بذكره، و نلوذ بجنابه، ونهتف باسمه، ونعمل في هدوء بانتظار القادم الوليد، والفجر الجديد ... فاللهم فرجاً قريباً ومخرجاً، بلطفك الخفي وخفي ألطافك ... يا عالماً بخفايا الأمور والصدور ... آمين